القرطبي

34

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعلمون ( 96 ) قوله تعالى : " ولتجدنهم أحرص الناس على حياة " يعني اليهود . " ومن الذين أشركوا " قيل : المعنى وأحرص ، فحذف " من الذين أشركوا " لمعرفتهم بذنوبهم وألا خير لهم عند الله ، ومشركو العرب لا يعرفون إلا هذه الحياة ولا علم لهم من الآخرة ، ألا ترى قول شاعرهم : تمتع من الدنيا فإنك فان * من النشوات والنساء الحسان ( 1 ) والضمير في " أحدهم " يعود في هذا القول على اليهود . وقيل : إن الكلام تم في " حياة " ثم استؤنف الاخبار عن طائفة من المشركين . قيل : هم المجوس ، وذلك بين في أدعياتهم للعاطس بلغاتهم بما معناه " عش ألف سنة " . وخص الألف بالذكر لأنها نهاية العقد في الحساب . وذهب الحسن إلى أن " الذين أشركوا " مشركو العرب ، خصوا بذلك لأنهم لا يؤمنون بالبعث ، فهم يتمنون طول العمر . وأصل سنة سنهة . وقيل : سنوة . وقيل : في الكلام تقديم وتأخير ، والمعنى ولتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص الناس على حياة . قوله تعالى : " يود أحدهم لو يعمر ألف سنة " أصل " يود " يودد ، أدغمت لئلا يجمع بين حرفين من جنس واحد متحركين ، وقلبت حركة الدال على الواو ، ليدل ذلك على أنه يفعل . وحكى الكسائي : وددت ، فيجوز على هذا يود بكسر الواو . ومعنى يود : يتمنى . قوله تعالى : " وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر " اختلف النحاة في هو ، فقيل : هو ضمير الأحد المتقدم ، التقدير ما أحدهم بمزحزحه ، وخبر الابتداء في المجرور . " أن يعمر " فاعل بمزحزح وقالت فرقة : هو ضمير التعمير ، والتقدير وما التعمير بمزحزحه ، والخبر في المجرور ، " أن يعمر " بدل من التعمير على هذا القول . وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت : " هو " عماد .

--> ( 1 ) البيت لأمري القيس . والنشوات ( جمع نشوة ) : السكر .